السيد الطباطبائي
209
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
حمل جميعها على المجاز والاستعارة ، وسائر الصنائع الشعريّة وحاشا مقام أئمّة الإسلام عن ذلك . ومن البرهان المذكور يظهر كيفيّة وجود الملائكة - أعني العمالة - منهم ، ويظهر أيضا أنّ ذات الإنسان كالمؤلّف من تصرّفاته ، ملكيّة أو شيطانيّة ، وليس له ذات مستقلّ منحاز . ومن البرهان المذكور يظهر مع ملاحظة الأصول المقرّرة في محلّها أنّه - لعنه اللّه - وجنوده وإن كان لهم تقدّم على هذه النشأة لتقدّم المثال على المادّة ، إلّا أنّ لهم تأخّرا ما وتعيّنا ما بالمادّة ، إذ تحقّق المعصية بأنواعها يحتاج إلى تعيّن مادي . ومن هنا ربّما يظهر وجه معنى شمول الخطاب بالسجدة لآدم عليه السّلام لإبليس - لعنه اللّه - مع أنّه لم يكن من الملائكة ، والخطاب كان متوجّها إليهم ، وأنّه كان في السماء إذ لم يكن إذ ذاك أرض متعيّنة ، بل لم يكن إلّا سماء نورانيّة طاهرة ، وإنّما تعيّنت الأرض بعد وقوع المعصية . قال سبحانه : قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً « 1 » . وقال سبحانه : وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ « 2 » . فأرض آدم الأرض الطبيعيّة ، وأرض إبليس الأرض السابعة ، والأرض مع ذلك أرض واحدة ، إذ الاختلاف بالبطون والظهور لا يوجب الاختلاف حقيقة كما هو ظاهر قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ « 3 » .
--> ( 1 ) الإسراء 17 : 63 . ( 2 ) البقرة 2 : 36 . ( 3 ) الأنبياء 21 : 30 .